الشيخ حسن المصطفوي
227
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والتحقيق أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو الجفاف في مورد الرطوبة والندوّة ، مادّيّا أو معنويّا . والجفاف يستعمل في الموضوعات المادّيّة ، وعلى هذا يكون اليبس فيه شديدا ، ولا نظر فيه إلى الحالة السابقة من كونها مرطوبة أم لا . وأمّا النضب : فهو الغور وانقضاء الماء بنزح أو غيره . والنشف : هو الحالة الحاصلة بعد انقضاء النضب ، أي ولوج الماء في داخل شئ بالتدريج حتّى يحصل اليبس فيه . فاليبس المعنوىّ : كما في قولهم - وجه يابس ويد يابس ، بمعنى ظاهر صلب ، ويد لا خير فيه أو قليل الخير والعطاء . واليبس المادّىّ : كما في : * ( أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ ) * . . . . * ( وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ) * - 12 / 46 . * ( أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً ) * - 20 / 77 فالسنبلات اليابسة كانت في الأصل رطبة خضرة ، كما أنّ الطريق اليابس في محيط البحر كان في الأصل مرطوبا ، بل من قطعات البحر ، ثمّ صار بضرب العصا وباذن اللَّه العزيز ، طريقا يبسا . واليبس كالحسن واليبيس كالشريف واليبس كالخشن واليبوس كالذلول : صفات مشبهة وتدلّ على ثبوت الاتّصاف ، كما أنّ اليابس يدلّ على حدوث الاتّصاف . وقد عبّر في السنبل اليابس بصيغة الفاعل ، وفى الطريق اليبس بصيغة الصفة المشبهة : إشارة إلى أنّ الرطوبة والخضارة في السنبل يتوجّه إليها وهى المقصودة المنظورة في جفافه . بخلاف طريق البحر إذا ظهر يبسا بإرادة اللَّه المتعال ، فكأنّه قد تكوّن من ابتداء ظهوره وتكوّنه بالأمر بصفة اليبس ، وهو غير مسبوق بالرطوبة والندوّة ، بل وجد تكوينا على هذه الصفة ، وإن كان في ظاهر